بقلم سليمان جودة ١٦/٤/٢٠٠٨
يتمني المرء، لو يتعامل الناس مع موضوع تغيير الوزارة ـ هذه المرة ـ بشكل مختلف، وأن يقال إننا قد جربنا ست مرات، من قبل علي مدي عصر مبارك، أن تتغير الوزارة، كلما ازداد الإحساس بسوء الحال، فكانت الوزارة، في كل مرة، تذهب وتأتي غيرها، ثم يظل الحال علي الدرجة نفسها، من السوء، وربما تضاعف، بما يعني عقلاً ومنطقاً، أن تغييرها ليس هو الحل!. طبعاً.. الذين يطالبون برحيل الحكومة، معذورون، وعندهم مبرراتهم، ولكن المشكلة أنها مبررات مدفوعة بالضيق الذي يتزايد، يوماً بعد يوم، من استحكام الأزمات، واحدة بعد الأخري، خصوصاً أزمة رغيف العيش!.. وهو ضيق لحظة، كما تري!. وحين نتأمل معاً، مسألة الرغيف، فسوف نكتشف الآتي: هناك أزمة عالمية ارتفع فيها سعر طن القمح، إلي مستوي، هو الأعلي من نوعه، طوال ٢٨ سنة مضت، وهناك احتجاجات مشابهة لما يحدث عندنا، في الهند، وفي المغرب وهناك كلام من «روبرت زوليك»، رئيس البنك الدولي، يقول فيه: إن ٣٣ دولة علي امتداد العالم تعاني من مشكلة في الغذاء ويمكن أن تمتد معاناتها لفترة مقبلة، وهناك كلام هذه الأيام في صندوق النقد الدولي، يحذر دول الغرب، من التمادي في تحويل بعض المحاصيل الغذائية، إلي وقود حيوي، وملء الخزانات هناك به، بينما شعوب في العالم تجوع.. وهناك.. وهناك.. إلي آخر ما يقال، في صحافة العالم، عن الأمر كله، ولايزال!. فما معني هذا؟!.. معناه أن الأزمة عندنا، في جانب من جوانبها، جزء من أزمة عالمية.. فإذا بحثنا، بعد ذلك، في الجزء الذي يخصنا، فسوف يتبين لنا، بسهولة، أننا لا نواجه ندرة في مخزون القمح، ولا نواجه ـ كدولة ـ مشكلة في مخزون الدقيق.. فأين المشكلة إذن؟!.. هي قطعاً في كيفية توزيع الأرغفة، لتصل إلي الناس.. فليس سراً، أن الرغيف الذي يباع بخمسة قروش، يواجه إغراء شديداً مرتين، قبل إنتاجه، وبعد إنتاجه أيضاً.. قبل الإنتاج، لأن صاحب المخبز يستطيع أن يبيع الدقيق المدعم، بعشرة أضعاف سعره، علي الأقل، للمخابز التي تشتري من السوق الحرة.. ومرة لأن الذين يستخدمون الرغيف المدعم، في علف الدواجن، يعرفون أنه أرخص بكثير، من الأعلاف التي تباع في الأسواق!.. وبالتالي، فالمشكلة عندك ـ كدولة ـ مشكلة رقابة علي الأسواق، ثم مشكلة قدرة علي التوزيع الجيد للرغيف.. وليس قطعاً مشكلة ذهاب حكومة، ومجيء حكومة أخري، في مكانها، سوف يكون عليها إذا جاءت أن تفكر في المشكلة، من جديد لعام قادم علي الأقل، حتي يمكن أن تستوعبها!!. نعود، فنقول، إن أي فلاح، في أي قرية مصرية من الممكن جداً ألا يكون قد أحس بأي نوع من التغيير، في حياته، منذ مجيء هذه الحكومة، إلي مقاعدها، قبل ثلاث سنوات تقريباً.. فالمدرسة التي يذهب إليها ابنه، هي كما هي.. ووسيلة المواصلات التي تحمله إلي المدينة لم تتبدل، أو تتحسن.. والوحدة الصحية لاتزال علي حالها.. و.. و.. إلي آخر القائمة، ولابد أن هذه مشكلة الحكومة، وليست مشكلة الفلاح، أو المواطن، علي الإطلاق.. ولكن في المقابل، علينا أن نفكر بهدوء، وأن نعترف بأن هذه الحكومة، تعاملت منذ ثلاث سنوات ولاتزال مع مشاكل تراكمت علي مدي نصف قرن، أو أكثر، وعلينا أن نعترف أيضاً، بأن هناك «بدايات» في العمل لهذه الحكومة، لابد أن تكون لها بالضرورة «نهايات» من الإنجاز، ثم من المحاسبة والمساءلة علي ما تم وما لم يتم.. فلديها خطط معلنة، وبرامج معروفة، في مجالات الصحة والإسكان والنقل والصناعة والاستثمار.. وغيرها.. وهي برامج لها أمد زمني معروف لنا، مسبقاً، فالذي وعدنا ببناء ألف مصنع ـ مثلاً ـ في ست سنوات، لابد أن نتسلم منه المصانع الألف، عند الموعد المحدد، بالضبط، لا أن نطرده، ويأتي وزير آخر، يتحلل من وعد الوزير السابق عليه، ثم يبدأ من نقطة الصفر.. وهكذا وهكذا!!. أزمة الغذاء، بوجه عام، والرغيف بشكل خاص، أشبه ما تكون بوباء عالمي، لنا فيه نصيب، في النهاية شأن دول أخري، وهو ما يجب تطويقه بسرعة.. ولا يكون ذلك بطرد الوزارة، لأننا ـ عندئذ ـ سوف نكون أمام مشكلتين: واحدة بأن نعود إلي ممارسة لعبة قديمة، تبين لنا بالتجربة علي مدي ست حكومات، أنها غير مجدية.. ومشكلة أخري وهي أن أزمة الغذاء، إذا كانت موتا بالنسبة لنا، فسوف يضاف إليه خراب الديار، إذا ظللنا علي رأينا، بأن العلاج، هو مجرد تغيير الحكومة!!. |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق