الجمعة، 18 أبريل 2008

الحكومة تستحي

بقلم سليمان جودة ١٨/٤/٢٠٠٨

عرفت من وزير، في الحكومة، أن الدولة تحصل من الجامعات الخاصة علي ١٥٠ جنيهاً، عن كل طالب يلتحق بها، وربما تكون هذه هي المرة الأولي التي نعرف فيها معلومة من هذا النوع، خصوصاً وقد سمعنا من قبل، من الدكتور حسام بدراوي، رئيس لجنة التعليم في الحزب الوطني، أن وزارة التعليم العالي تجهز لما يشبه مشروع قانون، تدفع بمقتضاه كل جامعة خاصة ٣٠٠ جنيه عن كل طالب فيها!

وسواء كان المبلغ ١٥٠ جنيهاً، أو كان الضعف، فالفكرة بهذه الصورة تبدو غريبة، وغير مفهومة، وتشير إلي أن الحكومة تستحي أن تعامل مشروعات التعليم الخاص، سواء كانت جامعة أو معهداً أو مدرسة، المعاملة التي تجب مع أي مشروع تجاري، هدفه الربح، فتلجأ إلي هذه الحيلة، التي لا معني لها، وتتعامل مع الجامعات بمنطق مبلغ عن كل رأس، لتكون النتيجة في نهاية المطاف مضحكة علي مستويين: الأول أن الجامعة سوف تستدير، وتأخذ المبلغ نفسه من جيب الطالب، والثاني أن إجمالي ما سوف يتحصل للحكومة، من وراء تحصيل مثل هذا المبلغ، شيء بلا قيمة تقريباً، فلا نحن تركنا الجامعات تعمل بلا ضرائب أرباح تجارية، كما هو حاصل حالياً، ولا نحن تعاملنا معها بالجدية الواجبة، التي تفرض أن يدفع كل مشروع تعليمي خاص ٢٠% من أرباحه، ضرائب للدولة، لأنه يكسب ولأنه نشأ في الأصل من أجل تحقيق كسب معلن، وواضح، ولا غموض فيه!

والطريف أني لما سألت وزيراً آخر عن السبب الحقيقي الذي يجعل الحكومة مترددة في معاملة التعليم الخاص ضرائبياً، في وقت تشكو فيه من أن عينها بصيرة ويدها قصيرة في مجال الإنفاق العام علي التعليم، الذي تقدمه في مدارسها، سمعت أغرب إجابة، وهي أن الحكومة تخاف أن يفهم الناس من خطوة كهذه، لو اتخذتها، أنها تحارب القطاع الخاص، وتسعي إلي تطفيشه، ولا تريد له أن يستثمر في التعليم!!

ولابد أن الحكومة التي تستحي من تحصيل ضرائب أرباح تجارية من أصحاب التعليم الخاص تعرف جيداً أنه عند ضبط أي تاجر مخدرات، فإن مصلحة الضرائب تدخل علي الفور طرفاً في الموضوع، وتطالب بحقها في تجارته، باعتبارها عملاً كان صاحبه يربح من ورائه، وتحصل المصلحة علي حقها في أرباحه فعلاً، ولا يهمها بعد ذلك إلي أين يمكن أن تنتهي قضيته!

إن الحكومة لا تتوقف عن الكلام، عن أن مواردها المتاحة لا تجعلها قادرة علي الإنفاق الواجب في التعليم، وحين تكون هذه هي شكوي الحكومة في كل وقت، فلابد أن تكون مشغولة في المقابل بالبحث عن موارد بديلة، ولكنها تتعامي لسبب لا يعلمه أحد عن تحصيل مورد مهم، يمكن أن يأتيها من وراء فرض ضرائب أرباح تجارية علي كل مشروع تعليمي خاص، فإذا تجمعت لديها موارد كهذه، كان في إمكانها أن تنشئ صندوقاً خاصاً بها، وأن يجري تخصيصه للإنفاق علي البدء في تجارب تعليم أهلي، بحيث يمكن أن يكون لدينا في النهاية نموذج لتعليم من هذا النوع لا يهدف إلي الربح، فيقيم رجال الأعمال، والقادرون بوجه عام، نماذج أخري علي هداه!

إن أي أب يعرف تماماً أن التعليم في مدارس الحكومة لا يؤهل ابنه لشيء له قيمة، ويعرف أيضاً أن التعليم الخاص لا يعطي ابنه بقدر ما يأخذ من جيبه، وأن الحل الحقيقي هو التعليم الأهلي، الذي لا يهدف إلي الربح إطلاقاً، ويحصل في الوقت ذاته علي مصاريف يعيد إنفاقها علي المدرسة أو الجامعة، فيتخرج الطالب لتتخطفه جهات العمل وتدفع له أعلي أجر، لأنها تعرف أنه نشأ علي أساس!

وإذا كان هناك من يقول إن تطوير عدد من مدارس الحكومة سوف يؤدي إلي نتيجة فهو مخطئ، لأن المدارس التي يجري تطويرها سوف تكون، بحكم ما جرت عليه العادة في مصر، صفراً يضاف علي المدي الطويل إلي جانب صفر آخر، هو المدارس الحكومية القائمة وتصبح المحصلة صفرين من الحجم الكبير!!


ليست هناك تعليقات: